كامل مصطفى الشيبي
28
شرح ديوان الحلاج
دعوته إلى الغاية التي ما بعدها غاية دون تراجع ، أسوة بإبليس ، رئيس الملائكة السابق ، الذي لم يبال بغضب اللّه عليه لما أمره بالسجود لآدم ، وهو من طين أدنى من عنصره الناريّ ، وآثر أن يتمسك بفضل عنصره وسموّه ورفعته على الطين . وكان من رأي الحلّاج أيضا أنّ صاحب الفكرة ينبغي أن يتأسّى بفرعون الذي لم يستجب لنداء موسى لما دعاه إلى نبوّته حرصا منه على ألّا يجعل لإنسان سلطة إغلاق الطريق الواسعة التي يحق لكل إنسان أن يسلكها إلى اللّه في كل زمان ومكان . « 1 » وأخيرا كان من رأي الحلّاج أنه
--> ( 1 ) انظر طاسين الأزل والالتباس من كتاب « الطواسين » للحلّاج ، باريس 1913 م ، ص 50 حيث يقع قول الحلّاج : « تناظرت مع إبليس في الفتوة فقال إبليس : إن سجدت سقطت من منزل الفتوة . وقال فرعون : « ما علمت لكم من إله غيري ( القرآن القصص ، 28 : 38 ) حين لم يعرف في قومه من يميز بين الحق والباطل » . وعقّب الحلّاج على ذلك بقوله : « فصاحبي ( الصحيح : فصاحباي ) وأستاذي ( الصحيح : أستاذاي ) إبليس وفرعون ؛ وإبليس هدد بالنار وما رجع عن دعواه ، وفرعون أغرق في اليمّ وما رجع عن دعواه ولم يقر بالواسطة . . . وإن قتلت أو صلبت أو قطعت يداي ورجلاي ما رجعت عن دعواي » . ومما يجلو هذه الفكرة ويزيل عنها طابع الكفر الصريح أن الحلّاج نفسه كان يرى في محمد ( ص ) وموسى ( ع ) نبيين من أفتى الأنبياء ، وقد أثر عنه أنه « سئل : يا شيخ ما تقول في ما قال فرعون ؟ قال : كلمة حق » فسئل : « ما تقول في ما قال موسى ؟ قال : كلمة حق ، لأنهما كلمتان جرتا في الأبد كما جرتا في الأزل » ( أخبار الحلّاج ، ص 29 ، أربعة نصوص ، النص الرابع ص 70 ) . كذلك قال الحلّاج : « ما صحت الدعاوى لأحد إلا لإبليس وأحمد ( ص ) غير أن إبليس سقط عن العين وأحمد ( ص ) كشف له عن العين : قيل لإبليس : اسجد ، ولأحمد : انظر . هذا ما سجد وأحمد ما نظر ، ما التفت يمينا ولا شمالا - « ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى » ( القرآن النجم / 53 : 17 ) . أما إبليس فإنه دعا لكنه رجع إلى حوله ، وأحمد ( ص ) ادّعى ورجع عن حوله بقوله : بك أحول وبك أصول ، وبقوله : يا مقلب القلوب ، وقوله : لا أحصي ثناء عليك . . . » ( الطواسين : طاسين الأزل والالتباس ، ص 41 ) . وكل هذا يقع تحت رأي الحلّاج من أنه « ليس على وجه الأرض كفر إلا وتحته إيمان ولا طاعة إلا وتحتها معصية أعظم منها ولا إقرار بالعبودية إلا وتحته ترك الحرمة ولا دعوى المحبة إلا وتحتها سوء الأدب . لكن اللّه تعالى عامل عباده على قدر طاقتهم » ( أخبار الحلّاج ص 48 ) . وهو هنا يتكلم عن الأضداد التي يجمعها اللّه في مخلوقاته فيجعل واحدا منها ظاهرا والآخر كامنا تمكينا لها من تحقيق قضائه والنزول على -